الشيخ محمد الصادقي
54
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
عليهما وعلى لسانك أمّاذا كان عليك أن تمنع بها ! أم تسمع وتبصر ما لا محيد عن حرمته بمنع وسواه ، فشهادة منهما - فقط - عليها ، فيما اقترفا من حرام ! ولكنما الجوارح الأخرى من ألسنة وأيد وأرجل أمّاذا فلا رقابة لها على غيرها ، بل هي شاهدة - فقط - على أنفسها شهادة ذاتية ولا سواها ، فإنما هي كآلات مباشرة لما عصت ، لا تعدوها إلى سواها فيما افتعلت . فللسمع والبصر والفؤاد اختصاصها من هذه الجهة ، وللألسنة والأيدي والأرجل أهميتها من أخرى ، وقد يجمعها كلها « جلودهم » فإنها جلود الأرواح : الأبدان ، فتشمل الجوارح كلها كما « كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ » فلا تعني - فقط - القشور حيث النضج والشهادة تعم الأعضاء . إذا ف « شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ » تعني مثلث الشهادة ومزدوجها ، ثم « وجلودهم » تعني شهادة واحدة . ولأن الشهادة على شيء تتطلب تحمّل الشهادة من قبل وإلّا فلا شهادة ، فلتكن الأعضاء متحملة لأصوات الأقوال وصور الأعمال حتى تلقي ما تحملت وتؤدّي ما حمّلت ، إذا فهي مسجّلات الأقوال وشاشات تحمل صور الأفعال ، وهكذا تشهد عليهم « سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ » أن يظهر على كلّ ما يناسبه من شهادة عينية هي الحجة القاطعة والبينة القاصعة القارعة على المكلفين ، حيث « صارت الأجساد شحبة بعد بضتها والعظام نخرة بعد قوتها ، والأرواح مرتهنة بثقل أعبائها ، موقنة بغيب أنباءها ، لا تستزاد من صالح عملها ، ولا تستعتب من شيء زللها » « 1 » .
--> ( 1 ) . نهج البلاغة عن الامام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) .